محمد بن محمد ابو شهبة

245

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

والخير ، والرحمة بقيام دولة الإسلام ، ولم تكن الحروب آنذاك حروبا مشروعة يقصد بها حماية دين ، أو إقامة عدل ، أو نصر فضيلة ؛ وإنما كانت استجابة للأهواء ، وحبا في الغلب ، والتسلط ، واستعباد الشعوب وإذلالهم ! ! . ومن هذه الصورة المصغّرة يتبين لنا أن العالم حينئذ كان عالما مضطربا لا أمان فيه ، ولا سلام ، وشمل الفساد جميع أحواله ، ونواحيه ، وحقت عليه كلمة اللّه : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) « 1 » . حاجة العالم إلى مخلص ومنقذ ترى - أيها القارئ - هل يترك اللّه سبحانه - وهو الرحمن الرحيم - العالم يتخبط في هذه الدياجير المظلمة ، ووسط هذه الأمواج الهائجة ، التي تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال ، وهذه الأوضاع السيئة الجائرة التي ذكرنا لك ذروا منها ؟ ! ! . لا ، ما كان اللّه ليدع العالم هكذا ، فيا ترى من ذا الذي اختارته العناية الإلهية والرحمة الربانية ليخلص هذا العالم الحائر المضطرب المظلم ، الخائف الذي أمسى على شفا جرف هار ؟ إنه نبي التوحيد ، ونبي البر ، ونبي الرحمة ، ونبي العدل ، ونبي الملحمة ، إنه نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . لما ذا اختار اللّه خاتم أنبيائه من العرب ؟ قلت فيما سبق إن العرب هم أفضل الجنس السامي ، وإن لغتهم هي أسمى اللغات السامية ، وأثراها ، وأكثرها خصائص ، وأصلحها لأن ينزل بها كتاب معجز باق على وجه الدهر . ولئن كان الفساد والاضطراب قد ساد العالم المعروف قبل البعثة المحمدية

--> ( 1 ) الآية 41 من سورة الروم .